مصر ضمن الدول المصدرة للسكر بعد عقود العجز

بدأت مصر تكتب فصلًا جديدًا في قصة طال انتظارها؛ فبعد عقود من الاعتماد على الاستيراد، يعلن قطاع السكر في عام 2025 لحظة فارقة تُعيد رسم ملامح السوق المحلية وتفتح بابًا نحو التصدير. لم يعد السكر مجرد سلعة تُثقل كاهل الميزان التجاري، بل تحوّل إلى ورقة اقتصادية تحمل فرصًا واعدة، مدفوعة بتغيرات هيكلية عميقة في الإنتاج والاستثمار.
تحوّل تاريخي: من الاستيراد إلى الاكتفاء الذاتي
سجّل قطاع السكر في مصر نقطة تحول غير مسبوقة مع تحقيق الاكتفاء الذاتي لأول مرة منذ ستينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تصدير منتجات بقيمة بلغت 374 مليون دولار وفق بيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية. هذا التطور يعكس قدرة الدولة على تحقيق معادلة طالما بدت صعبة: تأمين الاحتياجات المحلية وخلق فائض قابل للتصدير في آنٍ واحد.
بنجر السكر يتقدم الصفوف
لم يعد قصب السكر اللاعب الأوحد في معادلة الإنتاج، إذ صعد بنجر السكر ليحتل موقع الصدارة خلال السنوات الأخيرة. ويعود هذا التحول إلى عوامل حاسمة، أبرزها انخفاض استهلاك المياه، وارتفاع إنتاجية الفدان، فضلًا عن إمكانية التوسع في زراعته بالمناطق الجديدة. هذه المزايا منحت السوق مرونة أكبر وزادت حجم المعروض المحلي بوتيرة أسرع مقارنة بالقيود الجغرافية المرتبطة بزراعة القصب.
استثمارات صناعية تعيد تشكيل القطاع
شهدت صناعة السكر طفرة ملحوظة في قدراتها الإنتاجية، مدعومة بحزمة من الاستثمارات الكبرى التي دخلت الخدمة أو اقتربت من التشغيل الكامل. هذه المشروعات لم ترفع الطاقة الإنتاجية فحسب، بل ساهمت في تحسين جودة المنتج النهائي وتعزيز تنافسيته في الأسواق الخارجية، ما يعكس انتقال الصناعة من نمط تقليدي إلى نموذج أكثر تطورًا يعتمد على التكنولوجيا والتكامل الإنتاجي.
“القناة للسكر”.. مشروع عملاق يغير قواعد اللعبة
في قلب صحراء غرب المنيا، يبرز مشروع “القناة للسكر” كأحد أهم محركات التحول في القطاع. يمتد المشروع على مساحة زراعية تُقدّر بنحو 181 ألف فدان، ويُعد من أكبر مصانع سكر البنجر عالميًا بطاقة إنتاجية تصل إلى 900 ألف طن سنويًا، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك مصر.
يعتمد المشروع على نموذج متكامل يجمع بين الزراعة والتصنيع، حيث يتم إنتاج البنجر داخل الأراضي التابعة له، إلى جانب التعاقد مع آلاف المزارعين. ومع بدء التشغيل التجريبي في 2025 باستثمارات تتجاوز مليار دولار، يستهدف المشروع تصدير جزء من إنتاجه، إضافة إلى منتجات ثانوية مثل المولاس والأعلاف، ما يعزز القيمة الاقتصادية المضافة.
مصنع الشرقية.. ركيزة الشمال الإنتاجية
وفي شمال البلاد، يبرز مصنع “الشرقية لصناعة السكر” بمدينة الصالحية الجديدة كأحد الأعمدة الرئيسية لإنتاج سكر البنجر. منذ افتتاحه في 2023، استطاع المصنع أن يرسّخ مكانته بطاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف طن سنويًا، إلى جانب قدرات تكرير تصل إلى 320 ألف طن من السكر الخام.
يعتمد المصنع على شبكة واسعة تضم أكثر من 30 ألف مزارع، مع متوسط إنتاجية مرتفع يصل إلى 45 طنًا للفدان. ويضم المجمع أكثر من 20 وحدة إنتاجية متكاملة، ما يجعله عنصرًا محوريًا في دعم السوق المحلية وتقليص الفجوة الاستيرادية، فضلًا عن إدخال تقنيات حديثة رفعت من كفاءة الصناعة.
ورغم أهمية رقم الصادرات المسجل، فإن قراءته تتطلب فهمًا أعمق لطبيعة تجارة السكر عالميًا. فالصادرات لا تعكس دائمًا فائضًا مستدامًا في الإنتاج، إذ قد تشمل عمليات إعادة تصدير أو تكرير لخام مستورد، خاصة مع تذبذب أسعار السكر عالميًا. كما أن الإنتاج المحلي يتسم بالطابع الموسمي، حيث يرتفع المعروض خلال موسم البنجر، ما يتيح تصدير كميات مؤقتة قبل عودة التوازن للسوق.
سوق عالمي متقلب.. وفرص مشروطة
يتزامن صعود مصر كمصدر جزئي للسكر مع حالة من الاضطراب في السوق العالمية، نتيجة التغيرات المناخية وتعطل سلاسل الإمداد وتذبذب إنتاج كبار المصدرين. هذه الظروف تفتح نافذة فرص لتعزيز الصادرات، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تتعلق بالحفاظ على تنافسية الأسعار واستقرار الإمدادات.
يمثل هذا التحول نقلة نوعية في هيكل الميزان التجاري الغذائي، حيث انتقل القطاع من استنزاف العملة الأجنبية إلى المساهمة في توليد إيرادات دولارية. ورغم أن هذه الإيرادات لا تزال محدودة نسبيًا، فإنها تعكس اتجاهًا إيجابيًا يتماشى مع استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الواردات.
الاستدامة هي التحدي الحقيقي
وراء هذا النجاح، تبرز تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا التحول. فالحفاظ على الاكتفاء الذاتي يتطلب استمرار التوسع في زراعة البنجر، وتحسين كفاءة الإنتاج، وإدارة السوق المحلية بمرونة توازن بين الاستهلاك والتصدير. في ظل بيئة عالمية متقلبة، لن يكون الإنجاز الحقيقي في الوصول إلى هذه المرحلة فحسب، بل في القدرة على الحفاظ عليها وتطويرها.
هكذا، لا تبدو قصة السكر في مصر مجرد نجاح مرحلي، بل بداية لمسار طويل يتطلب إدارة دقيقة ورؤية استراتيجية تضمن تحويل هذا الإنجاز إلى واقع مستدام.

