من الحقل إلى الاقتصاد: كيف أصبحت الزراعة في مصر خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين؟

لم تعد الزراعة في مصر مجرد نشاط موسمي أو مهنة تقليدية توارثتها الأجيال، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ملف استراتيجي يمس الأمن القومي، ويؤثر بشكل مباشر في حياة كل مواطن، من سعر رغيف الخبز، إلى فاتورة السوبر ماركت، إلى استقرار الجنيه أمام الدولار.
في وقت يشهد فيه العالم أزمات غذاء متلاحقة، وارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف الاستيراد والشحن، أصبحت الأرض المصرية واحدة من أهم أدوات الدولة لمواجهة هذه التحديات، ليس فقط لإطعام المواطنين، ولكن لحماية الاقتصاد من صدمات الأسواق العالمية.
الزراعة وسعر الطعام في السوق
أي خلل في الإنتاج الزراعي ينعكس فورًا على الأسواق.
انخفاض إنتاج محصول مثل الطماطم أو البطاطس لا يعني مجرد نقص في المعروض، بل ارتفاعًا في الأسعار، وهو ما يشعر به المواطن البسيط قبل غيره. ولهذا، أصبحت الدولة تركز على التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والذرة والخضروات الأساسية، لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كل طن يتم إنتاجه محليًا يعني توفير عملة صعبة، وتقليل الضغط على الموازنة، واستقرارًا أكبر في الأسعار. لذلك، لم تعد الزراعة مجرد قطاع إنتاجي، بل أصبحت أداة اقتصادية فعالة في مواجهة التضخم.
المياه.. المعركة الأصعب
لكن الزراعة في مصر لا تواجه فقط تحديات اقتصادية، بل أيضًا تحديات بيئية، على رأسها ندرة المياه. في دولة تعتمد على مصدر مائي واحد تقريبًا، تصبح كل قطرة لها قيمة استراتيجية. التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الاحتياجات السكانية، كلها عوامل تضغط على الموارد المائية.
هنا جاء التوجه نحو تطوير نظم الري، وتبطين الترع، واستخدام أساليب حديثة تقلل الفاقد. الهدف لم يعد زيادة المساحات فقط، بل زيادة الإنتاج من كل قطرة ماء.
التكنولوجيا تغير شكل الأرض
في الماضي، كانت الزراعة مرتبطة بالجهد البدني فقط، أما اليوم فقد دخلت التكنولوجيا إلى الحقول. الصوب الزراعية، والري بالتنقيط، وتطبيقات الهاتف لمراقبة المحاصيل، والطائرات بدون طيار، كلها أدوات تساهم في رفع الكفاءة وتقليل التكاليف.
هذا التحول فتح الباب أمام الشباب، الذين بدأوا يرون في الزراعة فرصة استثمارية حقيقية، وليست مجرد مهنة شاقة. مشروعات صغيرة في النباتات الطبية، أو العسل، أو الخضروات العضوية، أصبحت نماذج ناجحة لدخول جيل جديد إلى القطاع.
الزراعة والعملات الصعبة
إلى جانب الاكتفاء المحلي، أصبحت الزراعة مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة من خلال التصدير. فالمحاصيل المصرية، خاصة الموالح والبطاطس والعنب، وجدت لها أسواقًا في أوروبا وآسيا والخليج، ما يساهم في تحسين الميزان التجاري، ويمنح الاقتصاد متنفسًا في ظل شح الدولار.
قطاع يمس كل بيت
ربما لا يرى المواطن الأرض المزروعة كل يوم، لكنه يشعر بنتائجها في كل مرة يدخل فيها إلى السوق. فالزراعة تحدد ما إذا كانت الأسعار مستقرة أو متقلبة، وما إذا كان الغذاء متوفرًا أو نادرًا.
الزراعة في مصر لم تعد مجرد فدان ومحصول، بل أصبحت خط دفاع أول عن حياة المواطنين، واقتصاد الدولة، ومستقبل الأجيال القادمة.

